الأعضاء حائرون يفكرون والكيماوي يفبركون .. حكايات من مجلس الأمن وتثقيف الكذب

ما يلفت النظر في الملف الكيماوي السوري أنه ملف بلانهاية ..

فبعد (84) جلسة رسمية في مجلس الأمن وعشرات أخرى غير رسمية فإن مجلس الأمن لم يقتنع ولايريد أن يقتنع أن قصة السلاح الكيماوي صارت ممجوجة ولامذاق لها ..

وحتى مقاعد المجلس سئِمت من هذه الاسطوانة الكيماوية .. ونخشى أن يستمر البحث فيه ويصبح مثل مقولة ديكارت (أنا أفكر اذاً أنا موجود) ليصبح (أنا أبحث في الملف الكيماوي السوري اذاً أنا موجود) ..

بل نخشى أن نصل الى يوم القيامة ويأخذ المندوبون الغربيون الملف السوري الكيماوي معهم لاستكماله في الجحيم الذي سيدخلونه مع الشياطين ..

فالأعضاء الغربيون يبتكرون كل يوم طريقة ومناسبة وذكرى وقلقاً وشكوكاً عن السلاح الكيماوي ويتخيلون ويتساءلون وهم حائرون أين تخفي سورية سلاحها الكيماوي؟؟

وهذا النوع من المزاعم سببه الرغبة الدفينة في الكذب .. فهم يرفضون شهادة أي خبير وعالم ومحقق شريف .. فالكذب جزء من الثقافة السياسية الغربية ..

فكل ما تنتجه هذه المدرسة السياسية هو تثقيف الكذب  أي جعل الكذب ثقافة في المجتمع وفي الحكم والانتخابات ..

فالحملات الانتخابية هي حملات للكذب .. والأخبار التي تنشر في الاعلام هي أخبار كلها كذب ويتم التلاعب بها لتحقيق غايات اقتصادية وتجارية وسياسية ..

لأن ديدن السياسة الغربية هو الكذب  ولذلك لا تتوقعوا أن ينتهي الملف الكيماوي السوري بل سيتم توارثه وسيتم تدريسه في الكتب المدرسية والأشعار بدل أشعار شكسبير .. وبدل رواية البؤساء لفيكتور هوغو في فرنسا ..

رغم أن كل خبراء العالم المعتمدين والموثوقين وعلوم الدنيا تقول أن سورية صارت خالية من السلاح الكيماوي ولم تعد تعبأ باللعبة الكيماوية وتركتها واختارت طريقاً مغايراً للتوازن مع العدو الاسرائيلي لا قبل له بها ..

وأنا استمعت للكثير من مداخلات المندوب السوري الدائم في مجلس الأمن ولكن هذه المداخلة أعتبرها هجوماً معاكساً شرساً زاخراً بالثقة بالنفس ومليئاً بالسخرية من الأعضاء الغربيين وهم يفكرون ويتساءلون ويتخيلون في جنون أشياء وأشياء..

ولم يعد ينقص إلا أن يقوم المندوب السوري ويتوقف عن إضاعة وقته مع هؤلاء المنافقين ويضع للحضور أغنية عبد الحليم حافظ (حبيبتي أنا من تكون) قبل أن يغادر ..

هذه أغنية تليق بأعضاء مجلس الأمن مع بعض التعديلات الضرورية في الكلمات لتصبح (أعضاء المجلس حائرون .. يفكرون .. يتساءلون .. في جنون .. الكيماوي أين يكون ؟؟ يفكرون يفبركون .. يتخيلون .. أسماء وأسماء .. أشياء .. وأشياء ) ..

الحقيقة أن الاستماع الى أغنية صادقة مفيد أكثر من الاستماع الى سيمفونية الاكاذيب الغربية .. وثقافة الكذب وتثقيف الكذب ..

إذا لم يقتنع الأعضاء الغربيون في المرة القادمة فربما ستناسبهم أغنية بوسو الواوا لهيفاء وهبي .. فربما يجدون فيها سلاحاً كيماوياً ..

وفيما يلي بيــــــان السفير (د. بشار الجعفري) المندوب الدائم للجمهورية العربية السورية أمام مجلس الأمن حول الملف الكيميائي-  نيويورك في 2020/10/5 :

السيد الرئيس، أشكركم على عقد هذه الجلسة المفتوحة حول ما يسمّى “الملف الكيميائي” ونتفق معكم فيما قلتموه قبل أيام لناحية أنه ليس لدينا ما نخفيه أو ما نخشاه في هذا السياق، وأنه لدينا الكثير من المعلومات والحقائق المرتبطة بهذا الملف والتي يجب منح الجمهور فرصة للنظر فيها بعيداً عن النظرة العدائية المنحازة والأكاذيب التي تروّج لها بعض الدول الغربية ووسائل الإعلام التابعة لها.

كما أجدد لكم الإعراب عن دعم بلادي لروسيا الاتحادية في مواجهة المزاعم الغربية بخصوص ما يسمّى بقضية (نافالني) ومن قبله (سكريبال).

السيد الرئيس، بمبادرة مشكورة من الوفدين الدائمين للاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية، عقد مجلس الأمن بتاريخ 28/9/2020، جلسةً غير رسمية وفق صيغة آريا حول “تنفيذ القرار 2118 ودور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”.

وقد مثلت تلك الجلسة فرصةً بالغة الأهمية للاستماع إلى شهادات وإحاطات لخبراء مختصين في المجالات ذات الصلة ومنهم السيد (ايان هندرسون)، أحد أكثر مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خبرة حيث عمل في تلك المنظمة لأكثر من اثني عشر عاماً، وكان قائد الفريق الذي شارك في التحقيق في حادثة (دوما) وزار سوريا ضمن بعثات منظمة الحظر مرات كثيرة، والبروفيسور (ثيودور بوستول)، الأستاذ الفخري للعلوم والتكنولوجيا والأمن الدولي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

والسيد (آرون ماته) الصحفي المستقل، والمساهم في موقع (The Grayzone) وصحيفة (The Nation) وقد أثبتت الإحاطات والمعلومات العلمية الموثقة والبالغة الأهمية التي أدلى بها هؤلاء الخبراء مدى التسييس البالغ الذي فرضته بعض حكومات الدول الغربية على عمل منظمة الحظر لاستخدامها كمنصةٍ لفبركة الاتهامات وثم لتبرير العدوان على سوريا بشكل منفرد تارةً أو ثلاثي تارةً أخرى، واستكمال ما عجزوا عن تحقيقه من خلال استثمارهم في الإرهاب ودعمهم اللامحدود والمتعدد الأشكال لهذا الإرهاب، ومحاولة خنق الشعب السوري بالتدابير القسرية الانفرادية التي يحلو لهم أن يسموها بـ “العقوبات”.

وبطبيعة الحال وكما يقول المثل المعروف : “يمكنك أن تأخذ الحصان إلى الماء ولكن لا يمكنك أن تجعله يشرب”، فإن ممثلي بعض الحكومات الغربية قد صمّوا آذانهم عن الحقائق العلمية التي لا تقبل التشكيك لا لشيء إلا لأنهم مُمعنون، من ناحية المبدأ، في مواقفهم العِدائية تجاه بلادي ويسعون للتغطية على جرائم التنظيمات الإرهابية واستخدامها لأسلحة كيميائية وغازات سامة ضد المدنيين كما يرفضون الإقرار بالحقيقة الراسخة التي أكدتها السيدة “سيغريد كاغ”، رئيسة البعثة المشتركة للتخلص من الأسلحة الكيميائية في سورية في إحاطتها لمجلس الأمن في شهر حزيران 2014، حين أتت إلى هذا المجلس بالذات، وقدّمت تقريرها النهائي وأكدت فيه أن سورية التزمت وأوفت بجميع تعهّداتها بما أفضى إلى تدمير كامل المخزون الكيميائي على متن السفينة الأمريكية (MV-Ray)  وغيرها.

كما أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنه قد تمّ تدمير جميع مرافق الإنتاج الـ/27/، وبالتالي فإن سورية التزمت بتعهداتها نصاً وروحاً ولم تعد تمتلك أي أسلحة كيميائية.

وهذه هي الحقيقة الثابتة التي ينبغي الاستناد لها، وليس السؤال الذي طرحه زميلي السفير الفرنسي عندما قال من أين تأتي الأسلحة الكيميائية التي يتم استخدامها في سوريا، وهو سؤال وجيه من ناحية الشكل، والجواب بسيط وهو أننا أرسلنا أكثر من/200/ رسالة إلى مجلس الأمن على مدى سنوات، ومنذ حدوث أول استخدام للأسلحة الكيميائية ضد أفراد من الجيش العربي السوري في بلدة خان العسل بريف حلب في آذار 2013، حافلة بالمعلومات التفصيلية عن الجهات التي تهرّب مواد كيميائية إلى بلادي وتضعها في خدمة المجموعات الإرهابية في إدلب وغيرها، وطبعاً معظم هذه الجهات التي تهرّب الكيماوي، يا سعادة سفير فرنسا، هي أجهزة استخبارات غربية –من بينها الاستخبارات الفرنسية–  تعمل مع التنظيمات الإرهابية التي تنشط في بلادي.

لكن يبدو أن هناك من لا يريد أن يقرأ. وممّا يؤسف له أن بعض الوفود الغربية قد استعملت في ذلك الاجتماع أقذع الأوصاف وأبشع الكلمات في هجومها على علماء أفاضل حاولوا مساعدة هذا المجلس في الوصول إلى الحقيقة، وقد خرجت بعض المداخلات عن حدود اللياقة والكلام المستخدم في التخاطب الإنساني لأن هؤلاء لا يريدون الحقيقة بل يريدون مواصلة الاستثمار في الإرهاب والتضليل والعدوان

السيد الرئيس، إنه من المؤسف أيضاً أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي نالت جائزة نوبل للسلام في العام (2013) تقديراً لعملها في التخلّص من الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك مساعدة الحكومة السورية في التخلّص من مخزوناتها من السلاح الكيميائي، قد تحوّلت إلى مجرّد أداة بيد حفنة من الدول الغربية لاستهداف دول بعينها ومنها بلادي، وهو ما يفقد هذه المنظمة الكثير من مصداقيتها ومهنيتها وطابعها الفني ويدفعنا كدولٍ أعضاء للعمل على إعادة تصحيح مسار تلك المنظمة للوفاء بالدور المأمول منها.

لقد أبرزت أنشطة منظمة الحظر المتعلقة ببلادي والعديد من تقاريرها أن المُعجزات الخيالية لا تزال ممكنة ويمكن أن يتم تصنيعها في مختبرات المنظمة في لاهاي وفي بعض المراكز الاستخباراتية الغربية واستخدامها لاستهداف دول أعضاء في الأمم المتحدة كما كانت عليه الحال في العراق الذي استندت الإدارة الأمريكية حينها لأكاذيب روّجت لها في هذا المجلس ذاته لغزوه واحتلاله ونهب ثرواته ومقدّراته.

هل نسيتم ذلك؟ وهل ستسمحون بتمرير أكاذيب مماثلة لتبرير استهداف بلادي ودول أخرى وتدميرها كما دمّر البعض ليبيا ؟ وهل ستسمحون بدفن الحقائق في أقبية الأمم المتحدة في صناديق لا تفتح قبل ستين عاماً كما كانت عليه الحال بالنسبة لوثائق بعثتي (الإنموفيك والأونسكوم ) وتقارير (هانز بليكس وسكوت ريتر) في العراق وبالتالي ضمان عدم إطلاع جيلين متصلين من البشرية على الحقائق المتصلة بالغزو الأمريكي – البريطاني للعراق؟ ومن يعلم فربما قد يعاود البعض تكرار حادثة اغتيال الخبير البريطاني في الأسلحة البيولوجية “ديفيد كيلي” الذي كان أحد مفتشي الأمم المتحدة في العراق وتم قتله وادعاء انتحاره بعد أن صرح لقناة (BBC) البريطانية بأن حكومة بلاده بالغت في الحديث عن مقدّرات العراق العسكرية وخطورة أسلحته البيولوجية لإقناع الشعب البريطاني بضرورة شنّ حرب على العراق.

إننا نطالب الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كافةً بإعلاء الصوت ضدّ تسييس مهمّة المنظمة والعمل على معالجة ما شاب عملها من تسييس وعيوب جسيمة من شأنها تقويض مكانة ومصداقية المنظمة، كما نطالب المدير العام للمنظمة بمعالجة المخالفات القائمة والسعي لتصويب الخلل بدلاً من الرضوخ للضغوط الغربية وتنفيذ أجندات حكومات ترغب بالإبقاء على ما يسمّى بـ”الملف الكيميائي” كورقة ضغط على الحكومة السورية وحلفائها.

السيد الرئيس، لقد أكدت بلادي، أنها لم ولن تستخدم الأسلحة الكيميائية، وأنها ملتزمة بالتعاون مع منظمة الحظر وأمانتها الفنية وفريق تقييم الإعلان الأولي وذلك لتسوية المسائل العالقة بما يتيح إغلاق هذا الملف بشكل نهائي في أقرب وقت ممكن.

ولهذا الغرض، قدّمت بلادي بتاريخ 2020/9/16 تقريرها الشهري /82/ للأمانة الفنية حول النشاطات المتصلة بتدمير الأسلحة الكيميائية، كما تم تمديد اتفاق التعاون الثلاثي بين الحكومة السورية والأمم المتحدة ومنظمة الحظر لمدة ستة أشهر اعتباراً من 2020/9/30.

وعقدت خلال الفترة ما بين (28/9/2020) و (1/10/2020) الجولة /23/ من المشاورات بين الحكومة السورية وفريق تقييم الإعلان الذي زار دمشق مؤخراً ونفذ برنامجه من خلال المساعدة التي قدّمتها له الحكومة السورية.

لقد قوبل هذا التعاون السوري بمواصلة الدول الغربية للتصعيد من خلال الترويج لآليات غير شرعية تم تمريرها على نحو مخالف للقانون ولأحكام اتفاقية الحظر مثل “فريق التحقيق وتحديد الهوية “(ITT) وتقديم الإدارة الأمريكية لمشروع قرار تصعيدي في هذا المجلس يهدف لتسويق الأكاذيب وفرضها بالضغط والتهديد.

وهو الأمر الذي يؤكد سعي بعض الدول الغربية لاستخدام هذا المنبر لخدمة أجنداتها التوسعية والعدوانية ويفضح مجدداً الازدواجية التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع موضوع الأسلحة الكيميائية لاسيّما وأنها الدولة الوحيدة الطرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية التي لا تزال تمتلك مخزونات هائلة من هذه الأسلحة منذ الحرب العالمية الثانية وترفض تدميرها.

وما يزيد هذه الفضيحة نفاقاً هو أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحلفاؤها في الناتو لا يأتون من قريب ولا من بعيد على ذكر ما تمتلكه إسرائيل من ترسانة نووية وكيميائية وبيولوجية وبقائها حتى الآن خارج الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وهو ما يهدد السلم والأمن في منطقتنا والعالم بأسره.

ختاماً السيد الرئيس، يصرّ الزملاء سفراء الدول الغربية على تقويض ذكرى عصر الأدب الجميل في بلادهم عصر (جين أوستن وشكسبير وفولتير وفلوبير وغوته وبريشت وهمنغواي ومارك توين)، واستبدال هذا الأدب الإنساني الخالد بلونٍ جديد هو أدب الكذب، حيث استمعنا إلى قراءات تضليلية خادعة مِلئها الكذب وتصلح لأن تكون رواية صفراء غير متوازنة فكرياً بفعل تأثرها بأجواء وباء كورونا المسيطر على توازن البشرية في هذه الأيام.

لن أعلّق على ما أورده بعض الزملاء الغربيين من اتهامات كاذبة لبلادي باستخدام الكيماوي، سأذكرهم فحسب أن بلدانهم هي التي استخدمت الكيماوي والبيولوجي والذري  وهي التي تمتلك ترسانات من هذه الأسلحة تكفي لتدمير كواكب المجموعة الشمسية كاملةً، وهي التي تفرض إجراءات اقتصادية قسرية أحادية الجانب على الشعب السوري وغيره، وهي التي تعرقل عملية إعادة إعمار ما دمرّه الإرهاب في بلادي، وهي التي ابتدعت القاعدة وداعش ووظفت التيارات الإسلاموية، وليس الإسلامية، تجار الدين في تنفيذ أجندات صِدام الحضارات والثقافات والأديان، وهي التي دمّرت العراق وليبيا ونشرت ثقافة الحصار والغزو والتهديد والعبودية والاحتلال.

من يخشى من دعوة أول مدير لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للإدلاء بشهادته أمام المجلس اليوم إنما يخاف من عرض الحقائق وكشف التضليل والخداع والتلاعب بآليات مجلس الأمن ومنظمة الحظر، كل ذلك لتشويه سمعة بلادي وسمعة الرئاسة الروسية وللحيلولة دون إغلاق هذا الملف الذي مضى عليه سبع سنوات ونظم المجلس حوله /84/ جلسة رسمية علاوةً عن الجلسات غير الرسمية الأخرى.

وشكراً السيد الرئيس.

بقلـم (نارام سـرجون)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*